المنجي بوسنينة
18
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
فيما يذكره ابن النديم [ الفهرست ، ص 277 ] . وما يسترعي الانتباه كثرة مرويات الابن عن طريق أبيه إلى أيمة أهل البيت بما يفوق مروياته عن شيوخه الآخرين ، إضافة إلى شدة تعلقه بمنهجه الفقهي في الاعتماد على الحديث ، فقد انبثق - منذ العصور الأولى - في الوسط الفكري الإمامي اتجاهان ، مثّل أحدهما الصدوقان ( علي بن الحسين وابنه محمد ) والثاني ، الحسن بن علي العماني المعروف بالحذاء ( معاصر ابن بابويه الأب ) ، ومحمد بن أحمد الإسكافي البغدادي ( معاصر ابن بابويه الابن ) . وكان اتجاه الصدوقين ينحو منحى مدرسة أهل الحديث عند أهل السنة ، أما الاتجاه الآخر فينحو منحى مدرسة أهل الرأي عند أهل السنة . وقد عرف عن الصدوقين التزامهما بلفظ الحديث وصيغته ، فألف لتحقيق هذا المنحى الشيخ علي بن بابويه رسالته إلى ابنه محمد الصدوق في الفتوى والمعروفة ب « الرسالة » ملتزما فيها متن الحديث بلفظه ، مع إسقاطه للسند . وعلى هذا المنوال ألف محمد الصدوق كتابيه « المقنع » و « الهداية » حتى ذكر أن الأقدمين من فقهاء الشيعة إذا أعوزتهم النصوص الشرعية رجعوا إلى هذه الكتب [ عبد الهادي الفضلي ، تاريخ التشريع الإسلامي ، ص 238 ] . وكان الصدوق - إضافة إلى ما يتلقاه عن أبيه من العلم - يختلف إلى مجلس محمود بن الحسن بن الوليد ، أبرز شيوخه في صباه ، ثم ابتداء من سنة 339 ه بدأت رحلته العجيبة في طلب العلم وسماع الحديث ، وتبليغه . وتتابعت أسفاره فطاف فيها كثيرا من البلدان يبادل العلماء السماع والأخذ في أمهات الحواضر العلمية . وكانت « الري » أولى البلاد التي رحل إليها وذلك بالتماس من أهلها وبحرص من أميرها ركن الدين البويهي الذي كان مكرما للعلماء وراعيا للعلم حيث سمع بها من الشريف أبي يعلى العلوي ، وأبي الحسن الأسدي المعروف بابن جرادة البردعي وغيرها ، ولم تنقطع صلته بوطنه الأول « قم » . ثم خرج إلى خراسان قاصدا زيارة مشهد الإمام الرضا في طوس سنة 352 ه ، وتعتبر هذه الزيارة للمشهد الرضوي الأولى من زيارات ثلاث أدّاها تبركا بذلك المكان . وكانت الثانية سنة 367 ه . ثم زار المشهد للمرة الثالثة في سنة 368 ه عندما كان في طريقه إلى بلاد ما وراء النهر . وفي هذه المشاهد عرض الصدوق مجالسه المعروفة « بالأمالي » وهي سبعة وتسعون مجلسا ، وهي مطبوعة . ولما كان في طريقة لزيارة المشهد لأول مرة قد دخل نيسابور وسمع من علمائها وشيوخها ، ثم حين عودته من خراسان في سنته تلك ( أي 352 ه ) توجه إلى بغداد ، فسمع من علمائها ، كما سمع شيوخ الطائفة الإمامية منه ثم عاد إلى « الريّ » . وفي سنة ( 354 ه ) توجه إلى الحج فدخل الكوفة وسمع أبا القاسم الحسن السكوني ، ومحمد بن علي الكوفي ، وعلي بن الحسين الهمداني . ثم دخل « مكة » والمدينة آخر سنة أربع وخمسين ، ثم قفل راجعا بعد أداء مناسك الحج فلقي بفيد - وهو مكان بين مكة والكوفة في نصف الطريق - أبا علي أحمد البيهقي ، وكان ابن بابويه في أغلب مؤلفاته يؤرخ سماعه مع ذكر المكان مما يزيد في قيمة السند والرواية . ثم دخل بغداد مرة ثانية منصرفه من الحج سنة خمس وخمسين ، فسمع من أبي الحسن الدواليبي ، وأبي العلوي ،